[استراحة] حديث البحر

عاشق الكالسيوم

عضو متميز
المشاركات
503
النقاط
63
مقتطف من ( رواية عاشق الكالسيوم )
قريباً سترى النور


كنت أغرق في حيرة قاتلة... وفي داخلي بركان من الهموم المكدسة يكاد أن ينفجر... اتصلت بسيد محمد وطلبت منه الذهاب معي لبحر كرباباد... كان مندهشاً والدهشة تتقاطر من نبرات صوته وحروفه، وكأنه يسأل نفسه (العلاج وحصل عليه فما حجته للبحر وما حاجته للقائي)...


لم يتأخر كثيراً وجاءني سريعاً... التزمت الصمت في كل دقائق المسافة من المنزل إلى بحر كرباباد... كان ينظر لي بين الفترة والأخرى، وفِي عيونه أسئلةٌ حائرة... كان يعيد النظر، ويحاول أن يستنطقني بينما أنا أشغله بتحياتي المتكررة، وبين الفترة والأخرى أحييه (حيّا الله سيد محمد) حتى وصلنا إلى بحر كرباباد.

كان البحر يموج، وكأنه متلهف للقائي ويسمع أخباري... أوقفنا السيارة قريباً من البحر ونزلنا مستندين على مقدمة السيارة، وما إن واجهت البحر حتى استعدت الذكريات، فرائحة البحر تعيدني لسنين الألم، وكل قطرة من قطراته تحتفظ بجانب من قصص معاناتي مع المرض... تمثل لي البحر مثل رواية عني صفحاتها تروي معاناتي... نظرت إلى الشمس التي كانت محتجبة ببعض غيمات وكانت أشعتها تصارع لأن تنفذ من الغيمات لتحييني وتصافح عيني... وتغرقني بعتابها فمنذ أن بدأت العلاج الجديد وهي تلاحقني وأنا أتجاهلها... كلما يرتطم موج البحر بالشاطئ تتناثر عليّ قطرات البحر قصصاً من المعاناة فتختلط دمعاتي بها.

وقفت متأمّلاً بصمت حتى نطق سيد محمد:

ــ ماذا بك يا حسن منذ أن جئنا وأنت تلتزم الصمت، ولا تنطق إلا دموعك.

مسحت دموعي ونظرت إلى السيد، وتحدث بصوت مرتجف مخضب بحزن وألم:

ــ جئت البحر سابقاً لأروي معاناتي، والآن جئت بمعاناة المرضى.. نعم جميع المرضى في منطقتنا والعالم... شاهد يا سيد هذه الأمواج المتلاطمة، وكأنها ترفع أياديها لتتلقف بوحي، ولكن لا أظن أن هذا البحر سيستوعب كلماتي وآلامي...

وكأن سيد محمد قد تألّم لألمي وأشفق على حالي، فحاول تخفيف شيء من معاناتي وقال:

ــ حسن لماذا تتحمل مسؤولية المرضى يكفيك ما عانيت؟

فاجأني كلامه فنطقت بانفعال:

ــ حتى أنت يا محمد تقول هكذا؟! كلّ من حولي يكرر هذه العبارة، ولكن هل حصولي على العلاج، وحل مشكلتي الشخصية هو نهاية المطاف؟!! كنت أخوض معركة مع المرض وقد انتصرت في هذه المعركة بحمد الله.. ولكن المعركة لم تنتهِ بعد... فمازال هذا المرض المتغطرس يفتك بآخرين، ومازال الكثير من المرضى يعانون بصمت.

تنفست الصعداء وهدأت نفسي المضطربة وتحدثت بهدوء وقلت:

سيد محمد أرى أن حكمة الله في شفائي؛ لكي أساعد المرضى.... أنا رسول الكالسيوم...

أثارت هذه العبارة سيد محمد فقاطعني بقوله:

ــ رسول الكالسيوم.. ماذا تقول يا حسن.. هل تدّعي النبوة؟؟

ابتسمت وقلت:

ــ معاذ الله يا سيد محمد... الله يرسل الرّسل والأنبياء لهداية البشر لعبادته، وكذاك يسخر من يساعد البشر. جيمس ساندر سخره الله لمساعدة المرضى في العالم وقد سخره الله لي لمساعدتي... كل العلماء أصحاب الاختراعات والاكتشفات سخرهم الله لنا...


سيد كنت الصرخة الأولى. في المنطقة حيث كان الصمت يسودها بينما مرضى الهايبوباراثايرويد يعانون وحدهم... يتألمون ولا يسمع أنّاتهم أحد... لا الأوساط الطبية مهتمة بهم ولا المجتمع، فأجنداتهم خلال سنة تزدحم بالفعاليات لمرضى السرطان والسكري وحتى بعض الأمراض النادرة ويصلون إلى الغدة الدرقية ويتجاوزون مرضنا.... متناسين أن الغدد جارات الدرقية تقع على الغدة الدرقية.

لا توجد جهة تحتضن المرضى... وفِي الجانب الآخر في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا تتوزع جمعيات دعم مرضى الهايبوباراثايرويد التي تفرعت من الجمعية الدولية بالولايات المتحدة. هذه الجمعيات تنشط في مساعدة المرضى ودعمهم ومساندتهم وتقديم المشورة مع الدعم المعنوي، بينما الواقع هنا مختلف تماما ومأساوي بكل ما للكلمة من معنى.

وبدأت رحلتي للبحث عن مرضى... كنت على يقين أن هناك ضحايا لهذا المرض اللعين، ولكن ينتظرون من يستنقذهم، فكما سخّر الله لي المريضة الآيسلندية هلا روث وجيمس ساندر رئيس الجمعية الدولية، فقد يكون الله سخرني لمساعدة المرضى.

بدأت بنشر مذكراتي مع المرض، ونشرت مقالات في الصحف والمنتديات، وتركت رقمي وعنوان البريد الإلكتروني، لكي يصل لي من يطلب العون، وكأنني كنت أرمي أطواق النجاة هنا وهناك...

يا سيد محمد لم أكن أتوقع ذلك التفاعل، فبدأت تتدفق عليّ الاتصالات والرسائل من هنا وهناك ليس من البحرين فقط بل من كل الدول العربية، حتى أصبحت ملجأً للمرضى، فبعد أن كنت أبحث عن من يساعدونني أصبحت من يبحثون عنه لمساعدتهم.

سيد محمد حين بدأت نشاطاتي لم يكن متصفح قوقل يحوي الكثير من المعلومات عن مرضنا باللغة العربية لكن المقالات التي كانت تكتب عني أو كنت أكتبها ملأت قوقل بالمعلومات عن مرضنا، وكانت تلك هي الوسيلة التي عن طريقها وصل المرضى لي.

استمر تدفق الاتصالات من هنا وهناك... فقد وصل صدى عاشق الكالسيوم لمختلف الدول العربية من عمان إلى المغرب... عرفوني عن طريق البحث في قوقل، فحين يبادرون بالبحث يرسلهم قوقل لمقال عني أو لمذكراتي أو مواضيعي في المنتديات، ثم يتواصلون معي من خلال العناوين التي ذكرتها، فبهذه الوسيلة وصلتني عدة مناشدات من الدول العربية.

وكأن الغطاء وقد كشف وظهر المستور... اكتشفت الواقع المؤلم للمرضى في المنطقة فحين يصلني مريض يكون كالغريق الذي وجد طوق النجاة وكالظمآن الذي وجد الماء... كانوا يعيشون الوحدة والضياع... الحالات كانت متفاوتة، بعضها كانت تحتاج فقط إلى ضبط جرعات الأدوية، وبعضها الآخر كانت تحتاج إلى علاج حقن هرمون الباراثايرويد.

كيف أساعد المرضى... لا بدّ أن هذا السؤال تبادر إلى ذهنك... حسناً... أنا لست طبياً فلا يمكنني أن أعطي قرارات طبية، ولكنني صاحب تجربة يمكنني أن أشاركهم تجربتي، فمثلاً قد تكون لديهم أعراض يجهلونها، فأخبرهم أنها بسبب المرض، أو قد أنصحهم بعمل فحوص لازمة، ولكن أعترف أنني أحياناً أتدخل... نعم أتدخل حين أَجِد طبيبهم كانت قرارته خاطئة... فأنبههم وأقترح عليهم الرجوع للطبيب باقتراحي فلا أدعو لقرارات فردية.

سيد محمد شاركت في أكثر من سبعة مؤتمرات دولية بالولايات المتحدة... مؤتمرات أكسبتني الكثير من المعلومات بخصوص المرض وكيفية التعامل معه.

أساعدهم بعلاقاتي العامة الواسعة فمشاركتي في المؤتمرات أكسبتني علاقات مع أطباء كبار، وكذلك بعلاقات واسعة في العالم مع رؤساء الجمعيات.

سيد محمد الاتصالات بي كانت تتدفق... كنت بمثابة الأمل والملجأ لهؤلاء المرضى المتعبين... كان المرض المتوحش يتلذذ بتعذيبهم... كانت صرخات استنجاداتهم وآهاتهم تملأ الآفاق... لكن الكل كان يصم آذانه عنهم... لا أحد يريد سماعهم... وحده الله كان يستمع لهم فسخرني لهم رحمةً منه بهم... لذلك كنت أشعر بثقل المسؤولية الملقاة عليّ... كنت أجتهد بأن أفعل أقصى ما يمكنني فعله لمساعدتهم.... الدكتورة نسرين السيد سخّرها الله كذلك لتكون رفيقتي في مساندة المرض... الدكتورة نسرين هي عنوان رحمة الله بالمرض... فقد ساهمت بتغيير حياة المرضى للأفضل ومازالت مستعدة لاستقبال مرضى آخرين...

كان الليل قد أرخى ذيوله وأعطى أوامره للشمس بالاستعداد للرحيل... وهدأ الضجيج في الساحل الممتزج بضحكات الأطفال... طيور النورس انسحبت نحو الشمس تلاحق بقايا أنوارها الشاردة حاملة معها ما التقطته من هموم أودعها البائسون في البحر لتفشي بها للشمس.

اخترق هذا الصمت صوت سيد محمد مداعباً:

ــ ماذا فعلت يا حسن بالشمس، لقد أبكيتها دماً... انظر إلى الحمرة التي تطوقها... وضحك.

بينما أنا كنت أطيل النظر في الشمس المخضبة بالحمرة وأجنحة طيور النورس التي تقترب من الشمس رويداً رويداً وكأنها تغرق في عين الشمس.

تقدم سيد محمد ومدّ يده نحو عيني وبدأ يلوح بها... وهو يقول:

ــ أنا هنا.... أين ذهبت؟ ما بك يا حسن ما هذا الوجوم... لماذا لا تبتسم.. العلاج وحصلت عليه مالذي يعكر صفو حياتك؟

نظرت إلى سيد محمد بعيونٍ ملأها الذهول حيرة.

ــ سيد محمد تساؤل لا يبارحني لو لم أبادر بالبحث هل سأكون موجوداً أمامك الآن هل ستكون عندي ولو فُتات من حياة وبضعة أنفاس...

ابتسم سيد محمد ووضع يده على كتفي وقال:

ــ يا حسن أنت كنت مثالاً للشاب المكافح والطموح والمناضل... ولكن ما حصل لك كان إرادة الله وليس إرادتك... إرادتك استمدت قوتها من الله فلولا توفيق الله لما كان الذي كان لكنت مازلت تبحث عن العلاج والعراقيل تتوالى دون توقف... حسن لو لم تبادر لكان الله خلق لك سبباً آخر... إيمانك بالله وتوكلك عليه هو من نصرك...

حسن... تذكّر جيداً... أن هذا الدواء لولا إرادة الله لما كان له أن يشفيك... أنت تستطيع أن تشعل النار ولكن خاصية الإحراق ليست بيدك وليس لك أن تسلبها... فالله سلبها لنبينا إبراهيم وأصبحت برداً وسلاما ... وهكذا هو الدواء الذي حصلت عليه مؤخراً ... الله قادر على أن يسلبه قدرة علاجك كما هو منحها.

حسن لا تفهم من كلامي أنني أبخس حقك... فأنت بذلت جهداً أسطورياً وحصلت على العلاج بعد صبر وتعب ... فلم تتواكل وتترك الأسباب وتطلب من الله المدد فلو كان كذلك لما استجاب لك ومنحك توفيقه... فالله يمنح البشر على قدر عملهم بكل عدل... كحال طالب لم يذاكر للامتحان ثم دعا الله التوفيق.... الله حتما لن يوفقه... حسن حكمة الله في علاجك هو لتساعد المرضى وهذا ما حدث فعلاً من تغيير حياة المرضى الذين تواصلوا معك إلى الأفضل.

هنا قاطعته وقلت:

ــ نفس التساؤل يا سيد محمد لو لم أبادر هل ستكون هناك بذرة أمل للمرضى في منطقتنا.

ابتسم وقال:

ــ نفس الإجابة يا حسن لو لم يكن هناك عاشق الكالسيوم لخلق الله غيره ليقوم بهذه المهمة... أديسون تعرفه؟

ــ ومن لا يعرفه صاحب الاختراعات والذي منح البشرية النور بمصباحه.

ــ لو لم يجتهد أديسون ويتوصل لاختراع المصباح الكهربائي بتوفيق من الله... لكان الله قد وفق غيره لهذه المهمة... هذا الأيفون في يدك.... هل تعرف مخترعه.

ــ نعم أعرفه... مخترع الآيفون ستيف جوبز هو المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة أبل..

ــ حين بدأ معه كان بحجم صغير وبمميزات محدودة توفي ولكن استمر الآيفون حتى وصل لما هو عليه الآن...

حسن .... كيف ترى مستقبل المرض يا حسن؟

ــ انظر إلى الشمس المحتضرة هناك... الليل القادم يحاول أن يخنقها بالعتمة وهي مازالت تقاوم وتمد أشعتها الجريحة عبثاً حتى تختفي وتغرق في الظلام... ولكنها لا تغيب فتعير القمر الوليد بعضاً من أشعتها لتبقي شيئاً من النور... مستقبلنا هكذا لكن لن ننعم بالظلام طويلاً فاليوم نبحث عن بقع الضوء، وغداً مع إشراق فجرنا الموعود سيملأ نور الوعي كل الكرة الأرضية... سيد محمد ما أقوم به لا يكفي فنحتاج إلى جهود أكبر... جهود بحجم دولة... فكما توجد مستشفيات ومراكز طبية خاصة بالسكر نحتاج إلى الأمراض المرتبطة بالكالسيوم... المستقبل يحمل لنا بوادر إيجابية في مجال العلاج.. هناك بحوث عن العلاج بالخلايا الجدعية وهناك علاج جديد بنفس حقن هرمون الباراثايرويد ولكن أقراص يتم تناولها بالفم وهناك حقنة هرمون الباراثايرويد.. ذات المفعول الطويل وكلها تحت الدراسة... نحن يا سيد محمد ندفع ثمن المرض النادر.
 

إحصائيات متصفحي الموضوع (الإجمالي: 1) وقت التصفح

إحصائيات متصفحي الموضوع (الإجمالي: 1, الأعضاء: 0, الزوار: 1)

 
مركز البحرين التجاري غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري لا يكون طرفاً فيه. لذا يتحمل الطرفان البائع والمشتري المسؤولية القانونية الكاملة.
يتحمل كل عضو المسؤولية القانونية الكاملة دون مركز البحرين التجاري في أي تعليق ينشره في صفحات المركز وأقسامه.
 
أعلى